أحمد الفاروقي السرهندي
297
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
بهذه التّوهّمات والتّخيّلات المشتبهة ولا يكذّبوا الأحاديث الصّحيحة النّبويّة ينبغي الإيمان بأمثال هذه الأحكام المنزّلة محيلا كيفيّتها على العلم الكيفيّ معترفا بقصور الإدراك عن معرفتها لا أنّه ينبغي نفي تلك الأحكام بانتفاء الإدراك فإنّه بعيد عن السّلامة والصّواب فإنّه يمكن أن تكون أشياء كثيرة صادقة في نفس الامر وتكون مستبعدة عن إدراك عقولنا النّاقصة ؛ فلو كان العقل كافيا لكان مثل أبي عليّ سينا الذي هو مقتدى أرباب المعقول محقّا في جميع الأحكام العقليّة غير غالط فيها والحال أنّه أخطأ في مسالة واحدة وهي الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد ما هو واضح للنّاظر المنصف بأدنى تأمّل وطعن فيه الامام الفخر الرّازيّ في هذا المقام بهذه العبارة " : والعجب ممّن يفنى عمره في تعليم الآلة العاصمة عن الخطأ في الفكر وتعلّمها ثمّ إذا جاء إلى هذا المطلب الأشرف وقع منه أشياء يضحك منها الصّبيان وعلماء أهل السّنّة شكر اللّه تعالى سعيهم يثبتون جميع الأحكام الشّرعيّة سواء كانت معقولة المعنى أو لا ولا ينفونها بعلّة عدم إدراك كيفيّتها مثل عذاب القبر وسؤال منكر ونكير والصّراط والميزان وأمثالها ممّا عجزت عقولنا النّاقصة عن إدراكه وهؤلاء الكبراء جعلوا مقتداهم الكتاب والسّنّة وجعلوا عقولهم تابعة لهما فإن ظفروا بإدراكها فبها وإلّا يقبلون الاحكام الشّرعيّة ويحملون عدم الإدراك على قصور فهمهم لا أنّهم كغيرهم يقبلون ما تقبله وتدركه عقولهم ويردّون ما يعجز عن إدراكه عقولهم الا يعلمون أنّ بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما هي بواسطة قصور العقول عن إدراك بعض المطالب المرضيّة للمولى سبحانه والعقل وإن كان حجّة ولكنّه ليس بحجّة كاملة والحجّة الكاملة إنّما تمّت ببعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قال اللّه تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 1 » ( ولنرجع ) إلى أصل الكلام فنقول إنّ المقابلة والمحاذاة وإن كانت شرطا في رؤية الشّاهد ولكن يمكن أن لا يكون ذلك شرطا في الغائب كما أنّ الغائب موجود وليس في جهة من جهات الوجودات أصلا فكما أنّه منزّه عن جميع الجهات بلا رؤية الرّائي لا تكون جهة من الجهات ثابتة له بعد الرّؤية أيضا وتكون المقابلة والمحاذاة مفقودة هناك فأيّ استبعاد وأيّ استحالة هنا ورؤية اللّاكيفيّ لا كيفيّة فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ لا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه وقياس الرّؤية المنزّهة عن الكيف على الرّؤية المتكيّفة بكيف المتعلّقة بمرئيّات غير مناسب وبعيد عن الإنصاف واللّه سبحانه الموفّق للصّواب . ( 45 ) المكتوب الخامس والأربعون إلى مولانا سلطان السّرهندىّ في علوّ شأن قلب المؤمن والمنع عن إيذائه نقل بالمعنى
--> ( 1 ) - الآية : 15 من سورة الإسراء .